يومان في معازل بغداد

المقاله تحت باب  في السياسة
في 
24/06/2012 06:00 AM
GMT




(الصورة : طريق مطار بغداد الدولي) 

النازل ليومين او ثلاثة في احد فنادق بغداد، والمتجول في بعض قليل من شوارعها، يتراءى له أن اهلها وسكانها مصابون بإرهاق دهري خانق، ويبذلون جهودا جبارة فيما هم يخوضون وسط موج ارهاقهم الدهري، لدفعه عنهم ومن اجسامهم ونفوسهم.

عدوى الارهاق تصيب الزائر ما إن يصل الى المطار العتيق المهمل، ويخرج منه الى مدى عمراني صحراوي كامد اللون. على جانبي الاوتوستراد الطويل تنتصب جدران اسمنتية عازلة على مسافات طويلة. التجمعات السكانية خلف الاوتوستراد تسوّرها الجدران، وتترك لها منافذ وممرات قليلة. ابراج حاميات عسكرية ترتفع اعلى من الاسوار. مع الاقتراب من المدينة تتزايد الجدران والمعازل. السائق الذي نقلنا في سيارته قال ان الادارة الاميركية وجيشها خلّفا هذه الجدران والمعازل، وصرفا ما يزيد على 7 مليارات من الدولارات لانشائها. امتداد بغداد وعمرانها الافقيان على مساحات مترامية الارجاء يتجاوز قطرها خمسين كيلومترا، وتحوّل مناطقها ونواحيها واحيائها معازل تسوّرها جدران اسمنتية، تماثل "جدار العزل العنصري" الاسرائيلي في الضفة الغربية الفلسطينية، واختناق شوارعها المزدحمة المقطعة الاوصال، تجعلها مدنا او محميات سكانية منفصلة ومتباعدة، وتجعل الطرق والشوارع بينها اشبه بخنادق مكشوفة. اهل المدينة، بل المدن – المحميات وسكانها المرهقون المحاصرون، يسعون بقوة مضاعفة، لكن خائرة، كاتمين مزيجا من الكمد والكآبة والالم والرضا في تنقلاتهم اليومية، كأنهم مستسلمون لقدر مزمن. لقد خرجوا من حروب صدَّامية استغرقت عشرين سنة من التجنيد الاجباري التوتاليتاري والدهم والمعتقلات والمجازر والحصار، الى حرب أهلية مزّقت ما بقي من اواصر الاجتماع والعمران، ولا يزالون يعيشون ذيولها تفجيرات سيارات مفخخة وأحزمة انتحاريين ناسفة تنفجر في اجسامهم وسط الجموع. لكن المدينة المترامية الارجاء المفككة الاوصال خلف المعازل الاسمنتية لا ينتقل دوي الانفجارات بين معازلها، فيعيش سكان الاحياء والشوارع في وتائر منفصلة ومستقلة، ولا تصل اخبار ما يحصل في ناحية الى النواحي الاخرى البعيدة، الا في الامسيات عبر نشرات الأخبار التلفزيونية. الغضب المكتوم والالم المنسي والقسوة القدرية المعتادة، تتشبث بتفاصيل الحياة اليومية في الاماكن العامة.
يومان او ثلاثة في بغداد، لا يبقى منها في الذاكرة سوى مشاهد مبنَّجة كمياه دجلة في مجراه. جلسة اليفة خاطفة تحت المراوح في مقهى الشهبندر في شارع المتنبي. لقاء في مطعم على ضفة النهر مع الشاعر زعيم نصار وزوجته الشاعرة هنادي الجليل واصدقائهما الشبان السينمائيين. الصديق شاكر الانباري في صمته الأليم ككلماته. شعراء وممثلون يقرأون فجأة قصائد على عوّامة راسية على ضفة دجلة. عبارة يصعب تذكّر قائلها عما حصل في بغداد طوال سني الحروب والمقاتل:
نادرا ما بقي في احياء المدينة سكان تقوم بينهم اواصر الحوار والتعارف. شتات وتذرر وتشظٍّ في مجتمع تمزّق نسيجيه حتى الاعماق. فجوات القتل والموت والتهجير والاقتلاع توغلت عميقاً في الاسر والعائلات والأحياء السكنية والمهن والأعمال، فتركت الناس في حال من الغربة المتبادلة في الاماكن المهملة الخربة. جدران في مدى البصر والوقت، في النفوس وبين الاجسام. كأن الحياة والعلاقات والمبادلات بنتُ ساعتها في حاضرٍ على اهبة الاختناق او الزوال والامحاء المفاجئ. ادمان الخوف ونسيان ادمانه. مهجرون يحتلون مباني متشابهة شيّدها صدام حسين على مسافة كيلومترات على ضفة دجلة لإسكان حاشيته ورهطه. تبديل السيارة لمرتين والنزول منها خمس مرات وترك الحقائب فيها لتدور حولها كلاب بوليسية شرسة، قبل الوصول الى المطار. سهرة مع رجال من مقدّمي الكرد في فيلا مصادرة بين صفّ من فيلات شيّدها متماثلةً صدام حسين لاستضافة الرؤساء والملوك العرب في مؤتمر للقمة العربية في ثمانينات القرن الماضي، فاتخذها مقدّمو الاجهزة الامنية والسياسية مقارّ ومساكن لهم في المنطقة الخضراء الحصينة.

***
بدعوة من "مركز كلاويز" الثقافي الكردي في مدينة السليمانية، ومن "الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين" في بغداد، عقد في 7 و8 حزيران الجاري في بغداد (فندق "قصر السدير"، شارع السعدون)، "مهرجان الثقافة العربية الكردية" تحت عنوان "نحو ثقافة عربية كردية متفاعلة". في الجلسة الافتتاحية وقف متكلّماً ملاَّ بختيار – وهذا إسم حركي لا يُعرَف صاحبه حكمت محمد كريم إلا به، بوصفه أحد مقدّمي أو قادة البشمركا الكردية الطالبانية المسلحة المقاتلة سابقاً في كردستان العراق -، فظهر جلياً أن كلامه كله لا يخرج عن عرض انجازات ما يمكن تسميته "حركة التحرير الوطني (والأصح القومي) الكردستانية" في العراق، أيام نضال الكرد الملحمي الدامي ضد نظام صدام حسين "القومي" الديكتاتوري الذي جعل المجازر والإبادة الجماعية والتطهير العرقي سياسته الوحيدة في كردستان العراقية. لكن ملاَّ بختيار لم ينسَ فصول النضال الكردي القديم الذي استغرق 1400 سنة، وخاضته "الإمارات الكردية" في العهدين العثماني والصفوي، وصولاً الى قيام حكومة إقليم كردستان العراق "المستقلة" عقب الانتفاضة الكردية الاخيرة على النظام الصدّامي، إبان الحرب الأميركية والدولية عليه لتحرير الكويت في العام 1991. سريعاً مرَّ ملاَّ بختيار على ذكر الحرب الأهلية الكردية في الإقليم ما بين جناحي الحكم الذاتي، البارزاني والطالباني، في تسعينات القرن العشرين، ليسهب في الكلام عما حققته حكومة الإقليم الموحدة من انجازات كبرى في مجال النهوض العمراني والبنى التحتية والتعليم والطبابة وجذب الاستثمار والتنمية، بعد حرب "تحرير العراق" الأميركية وانهيار النظام الصدّامي العام 2003، وبعد تحول "حركة التحرير الوطني والقومي الكردية" في العراق، من حركة نضال مسلح الى حكومة "مدنية" تدير شؤون الإقليم الكردي في إطار الدولة العراقية الجديدة الوليدة. أما السياسة، في معناها الدستوري وكإطار لتدبير الصراعات الاجتماعية والسياسية، وتداول السلطة والفصل بين السلطات، فغابت تماماً عن كلام الملاّ، نائب رئيس جمهورية الإقليم وعضو المكتب السياسي في "الاتحاد الوطني الكردستاني" الطالباني.
اللافت في كلام ملاّ بختيار – المنقلب من قائد لفيالق في البشمركا المسلحة الى أحد المقدّمين الطالبانيين في حكومة الإقليم "المدنية"، وفي رئاسة الجمهورية العراقية التي يشغلها الرئيس جلال الطالباني في بغداد – أن النزعة الوطنية والقومية الكردية هي الطاغية على سرديته للتاريخ العراقي الذي لا يحضر في هذه السردية إلا بوصفه نضالاً تحررياً كردياً في حقبه المتعاقبة. لا تخرج على هذه النزعة، النظرة الى ما يعيشه العراق بعد تحرره من ديكتاتورية البعث وصدام حسين، إلا للتفاخر والاعتزاز بما أنجزته حكومة الإقليم الكردي "المستقلة" وشعبها من إعمار وإنماء وتقدم وأمن في الديار الكردستانية وجذب للاستثمارات والسفارات والبعثات الديبلوماسية اليها. أما كلام ملاّ بختيار القليل العابر عن العراق الجديد ودولته "الاتحادية" الجامعة وجماعاته وعاصمته بغداد، فجاء "أخوياً" ومشوباً بالحزن والأسى واللوم على ما هي عليه أحوال العراق غير الكردي، من إهمال وخراب وبؤس وتفكك واستنقاع. وهذا ما جعل قلبه ينفطر وعينيه تدمعان – قال – أمام المشاهد الماثلة في بغداد. والحق أن المستمع الى كلام المقدّم الكردي، لن يفوته الانتباه الى البؤرة الاساسية والمركزية لسرديته ومناقشاته كلها: نحن الكرد أنجزنا تحررنا الوطني والقومي في كردستان العراق، وسط المَقاتِل والمجازر والإبادة الجماعية. ثم إننا أنجزنا تقدمنا وإزدهارنا في مجال البناء والتنمية المدنية. أما أنتم في الأقاليم العراقية العربية، فلم تحققوا ما حققناه، وها نحن ننتظركم ونحضّكم على تحقيقه، لمجاراتنا واللحاق بنا.
المتأمل في كلام ملاّ بختيار وترجمته العملية في واقع الجغرافيا السياسية والأمنية في العراق الراهن، لن تغيب عنه ملامح المعادلة الآتية: تتلقى حكومة إقليم كردستان حصتها من عائدات النفط العراقي، وينعم الإقليم بالأمن والاستقرار والإزدهار والنمو الاقتصادي والعمراني، ولحكومته المستقلة حضور أو نفوذ في حكومة بغداد الاتحادية، وفي أجهزة الدولة العراقية الموحدة شكلياً أو إسمياً. وتستثمر حكومة الإقليم هذا كله في مضاعفة التنمية والازدهار، على طريق تحقيق دولة كردستان الموحدة والمستقلة، ما إن تحين الظروف الإقليمية والدولية مستقبلاً. أما العراق الاتحادي ودولته وحكومته الجامعتان، فليست سوى إطار أو غطاء شكلي موقت في انتظار إنجاز ذلك الهدف الكردي المرتقب.
في المقلب الآخر من هذا السيناريو الضمني والمعلن في وقت واحد، لا يختلف سلوك الجماعات العراقية الأخرى الكبرى وأجهزتها، أي الشيعية خصوصاً، والسنية في الدرجة الثانية، عن سلوك حكومة الإقليم الكردستاني وأجهزتها، إلا في تأخر الجماعات غير الكردية زمناً وتنظيماً عما أنجزه الكرد في إقليمهم "المستقل" والمتجانس جغرافياً وسكانياً وقومياً في شمال العراق. فالاحتراب الأهلي – الإقليمي المدمر الذي عاشته الجماعتان الشيعية والسنية العراقيتان بعد انهيار النظام الصدّامي، لا تزال ذيوله تتحكم في تصريف شؤون الدولة والمجتمع العراقيين، وكذلك إنفلات الأمن والنهب والفساد الإداري والسياسي والمالي على الغارب، وهذا كله يترك العراق غير الكردي غارقاً في الإهمال والفوضى والاضطراب والتفجيرات والاغتيالات والتناحر السياسي الطائفي، مقطّع الأوصال معاقل ومعازل سكانية ومناطقية أمنية تسوّرها جدران الاسمنت. هذا ما تجاوزته كردستان العراق، بعد حربها الأهلية الطالبانية – البارزانية، وإنشائها حكومة "مستقلة" في الإقليم. أما بغداد، العاصمة الاتحادية للعراق، فتتناهبها الفوضى والأسوار والمعازل والحواجز الأمنية حتى الاختناق الذي يطبق على العابرين في شوارعها المزدحمة والغارقة في خراب يكاد يكون عميماً. وهذا ما قال ملاّ بختيار إن عينيه دمعتا حيال مشاهده، قبل أن يصطحبنا الى عشاء في واحد من المعازل الطالبانية المسوّرة في المنطقة الخضراء من بغداد، حيث لأجهزة الحكم والدولة والجماعات العراقية معازلها الإدارية والأمنية على مثال القلاع المتجاورة والمستقلة والمتحاجزة، والغارقة في دبيب منازعتها لاقتسام مقدرات العراق والاستيلاء عليها، كأن العاصمة أرض مهملة.

***
على مسافة حوالى 40 كلم من مطار بغداد الى وسط العاصمة، تنتصب على جنبات الأوتوسترادات والتجمعات السكانية والاحياء والضواحي الزراعية المنبسطة، أرتال الجدران العازلة مسوِّرةً الأماكن والمنشآت. كأن الطرق والشوارع والأوتوسترادات والمعابر خنادق بين هذه المعازل خلف الجدران الاسمنتية العالية (5-7 أمتار) التي تسورها. الحرارة تلامس 45 درجة مئوية طوال أشهر الصيف. السماء موشحة بلون برتقالي من أثر الحرارة المرتفعة. السيارات عتيقة في معظمها. مواكب أمنية مسلحة تعبر سريعاً في سيارات الدفع الرباعي وسط الإزدحام. العمران لا يزال على حاله بعد حروب كثيرة متعاقبة، أضيفت إليه، بعض ورش لتحسين المنشآت العامة، لكن المتعهدين تركوها سائبة قبل انجازها. هدير المولدات الكهربائية يملأ الفضاء. الأعمدة الحديد التي كانت تثبّت تمثال صدام حسين على منصته الحجرية وسط ساحة الفردوس، لا تزال على حالها، ملتوية على المنصة، مذ نزعت مجنزة أميركية التمثال عنها وأسقطته أرضاً في ذلك الصباح من العام 2003. المستديرة وأرصفتها وسط الساحة خربة مهجورة. الحرارة اللاهبة وجدران المعازل تطبقان على الروح والحواس. لا أثر لغير الألوان الكامدة في الأماكن وعلى أجسام العابرين، كأن ليس من حضور للنساء في الشوارع القليلة غير المسورة. الأوقات مضغوطة في المعازل. بغداد الفسيحة الممتدة أفقياً بلا بناء عمودي إلا في ما ندر، مقطعة الأوصال متحاجزة الأماكن والأحياء والمنشآت، كأن العابر فيها يدور في المكان نفسه وسط متاهة من الحياكة الأمنية. مياه دجلة راكدة منخفضة المنسوب إلى النصف في المجرى، بسبب السدود التركية الكثيرة، قبل اجتياز النهر الحدود العراقية. ما يبقى في الذاكرة من يومين في بغداد، هو الإرهاق. في مطار بيروت قالت الصديقة العراقية المقيمة من سنوات كثيرة في بريطانيا ولبنان: هل تعلمون أنكم ذاهبون إلى الجحيم؟! ثم قهقهت ضاحكة. صديقتها العراقية التي اصطحبتنا في جولة بسيارتها مساء وصولنا الى بغداد، روت أنها تقفل باب منزلها بسبعة أقفال، بعد عودتها إليه من عملها. إيمان التي أقامت سنوات في بيروت ودرست التمثيل في معهد الفنون في الجامعة اللبنانية، تحدثت عن الخشونة والقسوة في سلوك الرجال العراقيين. الروائي والصحافي العراقي شاكر الأنباري يأخذه الحنين الى سنوات عمره الكثيرة التي امضاها في أسوج وفي دمشق. لم يعد في العمر متسع للرحيل، قال. الشاب الكردي الرقيق النحيل الجسم، تحدث عن الأثرياء الجدد والفساد في أجهزة الحكم في كردستان العراق، معتبراً أن "مهرجان الثقافة العربية الكردية" في بغداد، غايته الأساسية الاستعراض والدعاية. في فندق "عشتار شيراتون" الفخم في ناحية من ساحة الفردوس، قال النادل إن البنَّ نفد في مقهى الفندق، وإن البيرة والكحول لا تقدم فيه، وباستطاعتنا أن نشتريها ونجلبها من المتاجر القريبة. عشرات متاجر بيع الكحول مصطفة على جانبي شارع السعدون، لكن زجاجاتها يكسوها الغبار، لا من الكساد، بل من الإهمال وقلة الاعتناء.
 
***

فجأةً تقدم شاب طويل نحيل الى وسط عوّامة ثابتة على ضفة دجلة، وبين عشرات الواقفين والجالسن خلف سياج العوّامة، أطلق صوته منشداً: "الساعات تشيخ على أرساغنا/ ولا يمضي الوقت/ كلما ابتعدنا تتوحش اقدامنا/ وفي كل منعطف شجرة تموت/ وشيئاً فشيئاً... / كانت جيوبنا تخلو من القبل/ وتشحُّ في أفئدتنا الأسماء/ وكالحيطان العملاقة/ كان أصدقاؤنا يسقطون/ لكن بلا غبار/ وفي عيوننا التي لا لون لحشائشها/ أفق ميت من رماد ودم". كان الشاب يحمل كتاباً صغيراً ويقرأ منشداً. ما إن أنهى قراءة القصيدة حتى تقدم شاب آخر يحمل نسخة من الكتاب نفسه، وأخذ يقرأ قصيدة أخرى: "البكاؤون/ البكاؤون أصدقائي/ الذين مرّت السيوف على أعناقهم/ ولم تترك إلا بريقها على الأكتاف/ الذين ساروا أمامي الى المناحر/ ونحيبهم في أضلاعهم/ نحيب قطارات تائهة". القراءات الشعرية المرتجلة استغرقت أقل من ساعة. والقصائد من مجموعة "تاريخ الأسى" للشاعر البصري طالب عبد العزيز الذي لم يكن موجوداً بين عشرات الشبان الحاضرين في تلك الظهيرة من نهار الجمعة 8 حزيران الجاري.
كنا وقد وصلنا الى العوّامة الثابتة، بعد جولة في شارع المتنبي، حيث المكتبات وبسطات الكتب. يتجول ويلتقي، قبل ظهيرات الجمع، أصناف من القراء يكثر بينهم الشبان، محاولين إحياء تقاليد بغداد الثقافية في الشارع القديم المخصص للمشاة فقط. قبل أن يتقدم الشاب النحيل الى وسط العوّامة منشداً، كان الصديق شاكر الأنباري يشير بيده الى ضفة دجلة الأخرى، قائلا: هناك أمضى صدّام حسين طفولته ونشأ "فتوّةً" شرساً قاسياً. أكثر من ثلاث كاميرات تلفزيونية أخذت تصوّر القراءات الشعرية المرتجلة، من دون أي تعريف بالمناسبة أو ذكر إسم الشاعر صاحب القصائد. في مخيلتي لاح مشهد لبدر شاكر السياب، طالع من قصيدته الشهيرة "أنشودة المطر". منذ سنة يلتقي هنا، قبل ظهيرات نهارات الجمعة، فنانون وشعراء شبان. يقرأون قصائد لشاعر يختارونه مسبقاً، قال الشاعر زعيم نصار. قبل أسبوعين أو ثلاثة، قُرئت قصائد للشاعر الراحل بسام حجار. الى الشاعرة هنادي الجليل التي تلبس فستاناً فاتح اللون، حضرت بين عشرات الشبان صبيتان او ثلاث حاسرات يرتدين بناطيل الجينز وقمصاناً خفيفة قصيرة الأكمام، على خلاف النساء في شوارع بغداد.
في طائرة الإياب من بغداد، جازماً قال رجل عراقي خمسيني أنيق الملبس، إن العراق يصعب أن يقوم من عثراته ويتغير. كان يستعجلُ الدقائق للوصول الى بيروت، حيث تمتزج بحسبه، "حضارة الغرب وسحر الشرق"، كأنه يستعيد عبارة من مصنّفات الدعاية السياحية القديمة.